الدستور العراقي

لكل فرد حق العيش في ظروف بيئية سليمة", "تكفل الدولة حماية البيئة والتنوع الإحيائي والحفاظ عليهما ", "لكل عراقي الحق في الرعاية الصحية ",

.

...

الجمعة، 23 سبتمبر 2011

المخلفات العسكرية الأمريكية: دمرت البيئة



المخلفات العسكرية الأمريكية: دمرت البيئة
أ. د. كاظم المقدادي-طبيب اطفال و باحث بيئي عراقي مقيم في السويد
مع إقتراب مغادرة القوات المحتلة للأراضي العراقية في نهاية العام 2011- وفقاً للأتفاقات المعلنة- بدأت تتكشف الكثير من الأسرار والأحداث الخفية، ومنها مخلفات تلك القوات، بما فيها من مخلفات مشعة وسامة، وهي مخلفات 500 قاعدة عسكرية في أنحاء العراق، يعمل فيها أكثر من 175 ألف جندي أمريكي، مخلفين ملايين الأرطال من النفايات الخطرة- بإعتراف الجنرال كيندال كوكس- قائد الوحدة الهندسية والبنى التحتية للجيش الأمريكي بالعراق.
وكانت صحيفة "التايمز" البريطانية قد كشفت النقاب عن أنّ القوات الأمريكية ستخرج من العراق تاركة خلفها إرثًا من المواد الخطرة السامة.وكشف تحقيقً أجرته، وشمل 5 مناطق بالعراق، عن مواد خطرة مدفونة من مخلفات القواعد العسكرية الأميركية، مما يشكل انتهاكا لأنظمة البنتاغون المتمثلة في ضرورة إعادة تلك المخلفات الخطرة إلى أميركا.وأوضح التحقيق تسرب الزيوت من براميل بسعة 55 غالونا فوق الرمال في مناطق شمالي وغربي بغداد، وتتناثر بأماكن مختلفة علب صغيرة مفتوحة تحوي أحماضا خطرة في متناول أيدي الأطفال، كما توجد مخلفات مؤلفة من بطاريات تحوي مواد سامة بأماكن قريبة من مزارع تعتمد على الري.واطلعت الصحيفة -عبر مقاول خاص يعمل مع الجيش الأميركي بالعراق- على وثيقة صادرة عن البنتاغون عام 2009 تفيد بأن حجم المخلفات الخطرة للقوات الأميركية هناك بلغ 11 مليون باوند أو قرابة خمسة آلاف طن.ويبدو أن بيانات وزارة الدفاع بشأن حجم المخلفات السامة هي تقديرات جزئية، إذ أقر الجنرال كوكس إنه أشرف على دفن 14.5 ألف طن من الزيوت المستخدمة أو التراب الملوث بالزيوت المستخدمة, والتي تجمعت على مدار 7 سنوات (The Times, June 14, 2010)
نفايات سامة وضارة والضحية مئات اَلاف العراقيين
تؤكد أحدث التقارير بان سموم مخلفات جيوش الأحتلال تسبب للذين يقتربون منها أو يلمسونها أوراماً خبيثة وأمراضاً تنفسية ومعدية- معوية وجلدية وغيرها. واكتشفت "التايمز" رسالة إلكترونية تعود لعام 2008 صادرة عن شركة أميركية في نيوجيرسي تتعامل في مجال الكيمياويات،وموجهة إلى المسؤولين بالبنتاغون تحذرهم فيها من الآثار الخطرة لتلك المواد المدفونة.وتؤكد بعض الملصقات عليها أنها تحتوي على حامض الكبريت وسوائل أخرى حارقة ومواد أخرى تستخدم في معالجة مياه المجاري. وتطلب منح المصاب رعاية طبية مستعجلة, وتدعو لضرورة استخدام أقنعة واقية قبل التعامل مع هذه المواد (The Times, June 14, 2010) )..حيال هذاا، حذر الخبير البيئي العراقي معتز حيدر من ترك الجيش الأمريكي لمخلفاته السامة سيؤدي الى كارثة بيئية كبيرة، وسيؤثر على المواطنين. ويرى بأن وزارة البيئة غير قادرة على معالجة مثل هذه النفايات الخطيرة كونها وزارة فتية، وكفاءاتها قليلة، مشدداً على ضرورة أن يقوم الجانب الأمريكي بنقل هذه النفايات الى خارج العراق.ودعا وزارة البيئة "أن تقوم بإرسال خبراء للاطلاع على هذه النفايات بشكل دقيق للتأكد من عدم خلطها مع اي مواد أخرى"( "السومرية نيوز"،19/6/2010).
وتؤكد التقارير بأن العراق تحول الى أحد أكثر بلدان العالم تلوثاً (CNN،15/6/2010) وقد إرتفع عدد المصابين بالأمراض السرطانية إلى 640 ألف مصاب، والعدد يزداد- بحسب الدكتورة لقاء الياسين - رئيسة لجنة الصحة والبيئة في مجلس النواب ("المواطن"، 7/5/2011).ويتواصل تزايد الولادات ذات التشوه الخلقي أيضاً ("المدى"، 26/8/2010).

الجنود الامريكيون ضحية سموم المخلفات أيضاً
أشارت تقارير صحفية الى رفع جنود امريكيين وموظفين في القطاعات الخدمية بالعراق وأفغانستان دعاوى أمام المحاكم الأمريكية لإصابتهم بأمراض خطيرة بما فيها سرطان الدم وأورام خبيثة وأمراض في الجهاز التنفسي.جراء تعرضهم لسموم إحراق اطنان من نفايات قواعدهم العسكرية في مناطق الحرب الامريكية (" واع"،16/10/2010). وكشف تقرير أعدته لجنة تحقيق عسكرية مواصلة الجيش الأمريكي استخدام وسائل خطرة للتخلص من مخلفات المهام العسكرية في قواعده المنتشرة بالعراق وأفغانستان، ما يعرض الجنود لمخاطر صحية يجهلون حقيقتها.وقال التقرير الذي عمل عليه مكتب التدقيق والمحاسبة الحكومي الأمريكي، إنه بعد زيارة 4 قواعد في العراق، والإطلاع على بيانات مراكز أخرى في أفغانستان، ثبت قيام الجيش بتصرفات محظورة، مثل حرق البلاستيك، الذي قد ينتج عنه مواد مضرة، ما قد يفسر الأمراض الغامضة التي أصابت بعض العائدين من تلك القواعد. وتشير وثائق التقرير الذي يعتمد على ملاحظات جمعت خلال الفترة ما بين أيلول 2009 وتشرين الأول 2010، إلى أن أكبر القواعد الأمريكية في العراق، وهي الموجودة في بلد، كانت تحرق كل مخلفاتها، بما في ذلك المواد الطبية والخطيرة والبلاستيك، وذلك بعد استخدام وقود الطائرات لتحفيز النيران، ما عرّض آلاف الجنود لخطر استنشاق مواد سامة ("مركز العراق للدراسات"، 18/10/2010).

الجيش الأمريكي يفتعل البطء والتسويف والمماطلة
مع غياب الطمر الصحي، رغم مرور8 سنوات على إحتلال العراق، نسبت "التايمز" إلى مسؤولين عسكريين أميركيين قولهم إنهم "يحاولون تدارك الوضع ومعالجة أمر المخلفات الخطرة". وأشارت إلى وجود مكبات للنفايات الأميركية الخطرة على مقربة من الطرق العامة في بغداد والفلوجة والموصل. وتنتشر مخلفات خطرة وسامة متنوعة في مناطق متعددة من أنحاء العراق
وعملياً، يفتعل الجيش الأميركي البطء في الرد على التساؤلات.فقد صرح الناطق باسم القوات الأميركية:"نحن نضع الآن نظاماً بديلاً للتخلص من النفايات في أماكن محددة، وهناك الكثير مما يلحق بها" ( "النور"،15/6/2010 ).وأوصح الجنرال لانزا بان النفايات الناتجة عن عمليات قواته كانت منتشرة في 14 قاعدة أميركية إلا أنه في عام 2008 تم حصرها في قاعدتين عسكريتين، حيث تقوم القوات الأميركية باتلافها وإحراقها بطرق علمية لا تلحق أضراراً بالاطفال أو النساء ("إيلاف"، 19/6/2010).بينما أعلن ثلاثة من الجنرالات الاميركيين، في مؤتمر صحفي، بأنهم يعتزمون ارسال فرق من الخبراء لتمشيط منشآت عراقية واميركية ، أملا في تحديد كيفية ومكان القاء المواد الخطرة ("أور نيوز"،16/6/2010).

والغريب أنه في ذروة هذه التصريحات المتناقضة، بادرت وزارة البيئة العراقية الى نفي وجود مواد سامة في المواقع الأمريكية (" واع"،9/8/2010)، ولم تفصح كيف شخصت ذلك. لكنها أعلنت فيما بعد بأن لجنة شكلتها تستعد لتشخيص طبيعة النفايات السامة التي عالجتها القوات الأميركية في معسكراتها بعد الاطلاع على بيانات التحليل النهائية.وأن اللجنة ستعقد اجتماعاً قريباً مع الجانب الأميركي لتتمكن من استكمال عملها والاطلاع على بيانات التحليل الخاصة بالنفايات والتي تمت من وجهة نظرها الأولية وفق طرق علمية حديثة ("الحياة" اللندنية،28/9/2010). وبعد إسبوع كشفت الوزارة بنفسها عن" تلكؤ ملف مخلفات الجيش الأمريكي بسبب قلة التخصيصات المالية, وأعربت عن أملها بحل هذه المشكلة قريباً" (وكالات- " طريق الشعب"،6/10/2010).
أما في المحافظات، فان الواقع يفند تصريحات الجيش الأمريكي المطمئة، حيث أعلن مدير بيئة ذي قار المهندس راجي نعيمه بأن مديريته طالما دعت خلال السنوات الماضية وبصورة رسمية من خلال مجلس المحافظة السماح لكوادرها بإجراء الفحوصات الإشعاعية والكيماوية داخل قاعدة الإمام علي العسكرية التي تتمركز فيها القوات الأمريكية، لكن جميع تلك المطالب قوبلت بالرفض ("شبكة أخبار الناصرية"، 29/6/2010).وأضاف:«أجرينا مسحاً في بعض المناطق التي شهدت قصفاً حربياً جراء الحروب السابقة فوجدنا هناك إشعاعات مضرة، وهذا ما يؤكد مطالبتنا بإجراء المسح في القاعدة الأميركية».لافتا الى انه سبق وأعطت القوات الاجنبية التي تمركزت في ذي قار عام 2005 وعد برفع السكراب الذي كان موجود داخل مدينة الناصرية الا انها لم تفِ بذلك .. وبرر آلن براون -الناطق الإعلامي باسم الجيش الأميركي في المحافظة الرفض" لكون الموافقة على فتح القواعد العسكرية لإجراء المسح على المخلفات فيها، يحتاج إلى موافقات من جهات عليا » ("شبكة أخبار الناصرية"،20/7/2010).
لكن السبب الحقيقي هو غير ذلك بالتأكيد. فأثناء إنتظار الموافقة المزعومة، تم رصد أكثر من 20 شاحنة محملة بـ "السكراب" من الحديد التالف والمحروق، تم رميها على الطريق السريع خلف القاعدة الأمريكية غرب الناصرية، وقد خرجت من القاعدة الأمريكية (" شبكة أخبار الناصرية"،12/10/2010).وجرة التنبيه الى إن كارثة ستحصل في محافظة ذي قار جراء نشر مخلفات للجيش الأمريكي بطريقة غير مسيطر عليها ولم يتم طمرها.وهناك نفايات تحمل إشعاعات ومواد كيماوية ملوثة أخرجت من مواقع الجيش الأمريكي ولم يتم التخلص منها بطريقة علمية وبيئية ("شبكة أخبار الناصرية"،29/11/2010).. وذات الشيء حصل ويحصل في المحافظات العراقية الأخرى التي توجد فيها قواعد عسكرية أمريكية..
تحرك مطلوب وإن جاء متأخراً
عقب المماطلات والتسويفات بشأن تنظيف البيئة العراقية من مخلفات الحرب والأحتلال، تحركت ضمائر بعض المسؤولين العراقيين، فإنطلقت تحذيرات من خطورة بقاء تلك المخلفات.وأعلنت لجنة الصحة والبيئة في مجلس النواب العراقي بانها ستناقش موضوع المخلفات.وأكد أحد أعضائها بان الكثير من مواقع الجيش الأميركي ملوثة، فضلا عن وجود أماكن أخرى ملوثة بالإشعاع نتيجة الحروب.وحذر من إهمال هذا الملف الخطير("المدى"، 25/4/2011)..وأفاد مصدر في وزارة البيئة بان الوزارة تحركك وإتصلت بالقوات الأمريكية لإجراء الفحوصات اللازمة، وتشكلت لجان مشتركة، يستلزم عملها وقتاً طويلآ ( وارع، 25/4/2011).
خاتمة
لا يمكن الوثوق بوعود جيش الأحتلال الأمريكي،الذي لم يبق على رحيله سوى بضعة أشهر، بانه سيسلم مقرات معسكراته للسلطات العراقية خالية من سموم مخلفاته، وهو الذي لم يقم طيلة 8 أعوام منذ غزوه للعراق بخطوة جدية واحدة لتنظيف البيئة العراقية الطافحة بمئات الأطنان من مخلفات قذائفه المشعة،التي إستخدمها في حربين مدمرتين.. أن الحكومة العراقية مسؤولة عن حماية صحة وحياة مواطنيها.فهل ستنفذ أعلنه المتحدث بإسمها بأنها " ستقوم بملاحقة كل مَن يثبت إدانته في عملية التخلص من النفايات السامة بالعراق، وأنها تمتلك القدرة على ملاحقة الجيش الاميركي والجهات المتعاقدة معه للعمل في العراق بموجب الاتفاقية الأمنية بين بغداد وواشنطن"("أور نيوز"، 16/6/2010) ؟ وهل ستفي لجنة الصحة والبيئة البرلمانية بوعدها هذه المرة وتطرح المشكلة على مجلس النواب لمناقشتها وإتخاذ الموقف المطلوب منها حماية لصحة وحياة العراقيين ؟
نأمل ذلك !

ليست هناك تعليقات: