الدستور العراقي

لكل فرد حق العيش في ظروف بيئية سليمة", "تكفل الدولة حماية البيئة والتنوع الإحيائي والحفاظ عليهما ", "لكل عراقي الحق في الرعاية الصحية ",

.

...

الخميس، 10 نوفمبر 2011




المعايير الوطنية والأخلاقية لسلطة الاحتلال في العراق


د। عمر الكبيسي


جريمة استخدام اليورانيوم المخصب في معارك الفلوجة والتلوث الاشعاعي في عموم العراق ،متى تتحرك السلطة الحاكمة ؟ليس جديدا او غريبا او غامضا موضوع معاناة شعبنا من مخاطر التلوث الإشعاعي والبيئي جراء استخدام أسلحة ذات مفعول تدميري واشعاعي خلال حرب الخليج عام 1990 وعام 2003 على خلفية احتلال العراق وما اعقبها من معارك وصراعات لم تسلم منها مدننا امتداد من جنوب العراق الى اقصاه في الشمال شاع فيها استخدام اليورانيوم المنضب وقنابل الفسفور الابيض والقنابل العنقودية والنووية المطوره والفراغية والحارقة ।
ولم يكن باحثونا غافلون عن هول الكارثة فلقد نبه ونشر الباحثون العراقيون دراسات وافية عن حجم التلوث الاشعاعي والبيئي الناتج عن هذه الصراعات العسكرية سواء في المراكز الاكاديمية الجامعية او من اختصاصي البيئة والتلوث في الطاقة الذرية او وزارة الصحة او وزارتي البيئة والعلوم والتكنولجيا لاحقا ومن خلال المشاركة في المؤتمرات العلمية العراقية والدولية منذ عام 1990 ولغاية اليوم دون ان تجد ردود فعل حكومية عراقية عملية ميدانية او سياسية .
كل هذه الدراسات اشارة الى وجود بؤر تلوث اشعاعيا وبيئيا في اكثر من 350 موقعا في دراسة مسحية اعلنت عنها وزيرة البيئة قبل سنين في القاهرة وذكرت الدراسات ارقاما رهيبة لوقوعات الامراض السرطانية والتشوهات الخلقية في مناطق عديدة من العراق كالبصرة والفهود وكربلاء والفلوجة.
نشط اكثر من فريق بحثي أجنبي ومشترك بجهود شخصية لمتابعة وقوعات الامراض السرطانية والتشوهات الخلقية في الفلوجة بسبب ما حضيت به معارك الفلوجة عام 2004 من إعلام مكثف لحجمها وشدتها وضراوتها وصعوبة حسمها لصالح المحتلين مما دفع بالعديد من الباحثين الاجانب بالتعاون مع باحثين عراقيين لإجراء دراسات مختبرية ومنهجية بدأت بدراسة احصائية ثبتت ان وقوعات الاورام والتشوهات في الفلوجة تزايدت الى ارقام تجاوزت 15 الى 30 اضعاف ما كانت عليه قبل المعارك العنيفة التي شنتها قوات التحالف الامريكية والبريطانية تم نشرها في تموز عام 2010 .
حديثا في ايلول الماضي عام 2011 تم نشر دراسة من قبل نفس الفريق المشترك باشراف العالم الانكليزي البريفسور بيزبي الخبير بقضايا التلوث البيئي والاشعاعي والأسلحة التدميرية الحديثة وبمشاركة باحثين عراقيين والتي تضمنت دراسة لمستويات المعادن الثقيلة وبضمنها اليورانيوم من شعر جدائل امهات واباء الاطفال الذين ولدوا متاثرين بتشوهات خلقية وثبت بوجه قاطع ان هناك ارقام عالية لنسب اليورانيوم المخصب ومعدلات عنصر الزئبق لديهم وتمت متابعة هذه النسب لليورانيوم المخصب على مسافات من طول الشعر النامي لسنوات واتضح ان مستويات اليورانيوم المخصب كانت عاليه في فترة تعرض الفلوجة للعدوان ثم تبدأ مستويات اليورانيوم المخصب بالتناقص بمرور الزمن وقد نشرت نتائج هذا البحث في مجلة (النزاع والصحة ) وهي نشرية علمية رصينة ومحكمة وجاءت هذه النتائج متطابقة مع توصيات استخدام سلاح اليورانيوم المخصب لاعطاء نتائج سريعة وفعالة لقتل الاهداف البشرية وقابليته على احداث تفحم اجساد القتلى وتلف الرئتين والموت السريع وكان الصحفي روبرت فيكس قد سبق وان أشار الى استخدام اليورانيوم في موقع الخيام في لبنان عام 2006 في صحيفة الاندبندت لوجود اثار لليورانيوم المخصب من موقع حفرة صاروخ وذكرته الكاتبة العراقية البارعة هيفاء زنكنه في مقالها بصحيفة القدس العربي .
في 11 تشرين الاول 2011 تم اكتشاف مقبرتين بشرية غرب وشرق الفلوجة لمئات الشهداء حديثا احتوت مقبرة السجر على 430 رفات ومقبرة الصقلاوية على 400 رفاة في منطقة البو عكاش تعود جثثهم لشهداء معركة الفلوجة الثانية التي زجت قيادة القوات الامريكية فيها أكثر من 15000 مقاتل مقابل 1000 مقاتل متحصنين بالمدينة قدمت فيها الفلوجة بحدود 5200 بين شهيد وجريح وقد شكى مجلس محافظة الانبار من نقص شديد في الكوادر الصحية والتقنية المتدربة على كشف هويات الرفاة لهذه المقابر وبيان الاسباب المباشرة للوفاة في حين كان يستوجب ان يتم استخدام نماذج من رفاة الشهداء للكشف عن عناصر التلوث من قبل فرق بحثية عراقية واجراء فحوص الحامض النووي لتسليم الشهداء لذويهم وكشف تواريخ وفاتهم اسوة بما توصلت اليه البحوث المنشورة خارج العراق والتي تم الحصول على نماذج الشعر والأظافر والتربة والمياه بصعوبة بالغة لعدم تعاون الأجهزة ذات العلاقة لاجراء هذه البحوث ناهيك عن تستر الاطباء والمسؤولين لاعطاء ارقام احصائية عن عدد المصابين بالتشوهات و وفياة المصابين وكذا الحال بالنسبة للمصابين بالسرطانات والأورام تحوطا من إجراءات تعسفية ! .
لا أدري ماذا يعني هذا التستر على هول الكارثة وحجم جريمة الإبادة البشرية الناتجة عن قتل الانسان بشكل مباشر كما في استخدام اليورانيوم المخصب او من خلال استخدام اليورانيوم المنضب الرخيص في الثمن الذي يستهدف الاليات ومن فيها وكلا السلاحين لها تاثيرات آنية وتاثيرات ومضاعفات على حياة البشر لمئات السنين بسبب ان نصف عمر اليورانيوم يصل الى اربعة ملايين سنة ويعم هذا التلوث مظاهرالحياة بكل عناصرها( انسان وحيوان ونبات وارض ومياه وانهار وبحار) بمرور الزمن وكلا السلاحين ثبت علميا ببحوث رصينة انها تحمل مخاطر ومضاعفات تهدد الحياة ولكن حكومات الولايات المتحدة وبريطانيه لا تعترف بمخاطر اليورانيوم المخضب وتقوم بتطوير هذه الاسلحة لتكون اكثر فاعلية وهلاكا وفقا لبراءات اخترع وتطوير شركات تصنيع الاسلحة المدمرة .
لقد آن الاوان كي تتحرك بجدية ومسؤولية لجان الصحة والبيئة في البرلمان و وزارتي الصحة والبيئة والجامعات والمراكز البحثية وكافة منظمات حقوق الانسان لتبني مسألة التلوث البيئي والاشعاعي الناتج عن العدوان والاحتلال العسكري على العراق والاهتمام بالتوثيق ودعم العلماء والباحثين العراقيين وما اكثرهم في هذا المضمار وتوثيق كافة حالات التضرر الناتجة من استخدام الاسلحة التدميرية المحرمة ومن اشعال الحرائق والزيوت والعبث بخزين المواد المشعة والكيماوية وحركة الآليات وإثارة الغبار الملوث والمحمل بالاحياء المكروبية والمعادن الضارة بالجسم والتي نشرت دراسات طبية من البحرية الامريكية على تسببها بامراض وخيمة وآثار سلبية على الجنود الامريكان في العراق والكويت يطالب المتضررين بها بتعويضات .
في معارك البوسنة وبعد جهود حثيثة قدمت وزارة الدفاع البريطانية تقريرا مفصلا عن اماكن واوقات ومواقع وكميات استخدامها اليورانيوم المنضب بعد مرور سنوات من انتهاء المعارك لتسهيل عملية المسح والمعالجة للتلوث.
تقدر كلفة ما يحتاجه مشروع المسح الكامل للتلوث في العراق بحدود 50 مليار دولار في حين يتطلب مشروع معالجة التلوث لتقليص اضرار هذا التلوث بحدود 20 مليار دولار وان اعطاء كشوفا من قوات الاحتلال عن اماكن وتواريخ وكميات استخدامها لأسلحة اليورانيوم المنضب والمخصب يساعد كثير في تقليص كلف المسوح والمعالجة بشكل فاعل علما بان ادارة الاحتلال وقفت حائلاً دون تمكين جهات دولية استقصائية للتحري والبحث خلال سنوات الاحتلال
ان الاهتمام بمناقشة قضية استخدام الاسلحة المحرمة من قبل قوات الاحتلال في العراق وتوثيق الخسائر الناتجة عنه ينبغي ان يكتسب اهمية تفوق قضايا التدريب بعد اعلان الانسحاب العسكري قبل نهاية هذا العام بالتحديد كما هو الحال فيما يخص الاشراف على التعامل مع نفايات المعسكرات والقواعد ومقرات هذه القوات قبل الانسحاب نظرا لما تحمله هذه النفايا والمعدات التالفة والزيوت المستهلكة من مخاطر كبيرة . لم يعد هناك من شك في كثير من الدراسات المنشورة عن تلوث البيئة العراقية الاشعاعية والبيئية بسبب الاحتلال وحرب الخليج الاولى ونتائجها الآنية والمستقبلية والتي تحسب واحدة من اهم ظواهر حروب الإبادة البشرية التي تستهدف الانسان وقد آن الأوان لتحريك هذا الملف الحيوي وإعطائه اسبقية على غيره من الملفات التي تعنى بالتعويضات لاحقا حيث ان حق الانسان في الحياة تعلو على كل جوانب حقوق الانسان الاخرى ، فهل سيتحرك البرلمان والحكومة ومنظمات حقوق الانسان والمجتمع المدني والجمعيات والمؤسسات العلمية والبحثية للإهتمام قبل فوات الأوان

ليست هناك تعليقات: